السيد محمد باقر الشفتي الجيلاني
393
الإمامة
فان السفر طويل والزاد قليل . ثم إذا حصل الزاد بإعانتك فالشقة شاسعة والطرق كثيرة ، فلا طريق الا أن يطلب الطريق ممن هو بارشاد السالكين حقيق ، فقال اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . ثم إنه لا بد لسالك الطريق الطويل من رفيق ودليل ، فقال : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، فالأنبياء أدلاء والصديقون والشهداء والصالحون رفقاء ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ، لان الحجب قسمان : نارية هي الدنيا وما فيها ، ونورية وهي ما سواها « 1 » . ومنهم : الامام المذكور ، حيث قال في الفصل السادس من القسم الثاني في تفسير سورة الفاتحة ، قال : أعظم المخلوقات جلالة ومهابة المكان والزمان ، أما المكان فهو الفضاء الذي لا نهاية له ، والخلاء الذي لا غاية له . وأما الزمان ، فهو الامتداد المتوهم الخارج من قعر ظلمات عالم الأزل إلى ظلمات عالم الأبد ، كأنه نهر خرج من قعر جبل الأزل ، وامتد ودخل في قعر جبل الأبد ، فلا يعرف لانفجاره مبدأ ، ولا لاستقراره منزل ، فالأول والاخر صفة الزمان ، والظاهر والباطن صفة المكان ، وكمال هذه الأربعة الرّحمن الرّحيم . فالحق سبحانه وسع المكان ظاهرا وباطنا ، ووسع الزمان أولا وآخرا ، وإذا كان مدبر الزمان والمكان هو الحق سبحانه ، كان هو منزها عن الزمان والمكان . إذا عرفت هذا ، فنقول : الحق سبحانه له عرش وكرسي وراءه ، فعقد المكان بالكرسي ، فقال « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » وعقد الزمان بالعرش فقال « وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » لان جري الزمان يشبه جري المكان ، ولامكان وراء الكرسي ، ولا زمان وراء العرش ، فالعلو صفة الكرسي ، وهو قوله « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » والعظمة صفة العرش ، وهو قوله تعالى « وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
--> ( 1 ) التفسير الكبير 1 / 289 - 290 .